السيد كمال الحيدري

83

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

والجواب : إن هذا اليقين ليس هو اليقين المنطقي أو الرياضي ، لأنه حتى إذا كنا نعلم على أساس الاستقراء بأنّ « أ » سبب ل « ب » فلا نقرّ باستحالة افتراض أن لا يكون « أ » سبباً ل « ب » وأن يكون وجود « ب » في التجارب المتكرّرة نتيجة لسبب آخر لا علاقة له ب » أ » وليست سببية « أ » ل « ب » متضمّنة في خبرتنا الاستقرائية المباشرة التي لا تتجاوز عن ملاحظة اقتران أحدهما مع الآخر بصورة متكرّرة ، فلا يوجد يقين منطقيّ ولا يقين رياضيّ . كما أنه ليس هو اليقين الذاتي ، لأنّ وجود اليقين الذاتي بالقضايا الاستقرائية عند كثير من الناس مما لا يمكن أن يشكّ فيهأحد . وإنما المراد باليقين الذي نتساءل عن مدى قدرة الاستقراء على إيجاده هو اليقين الموضوعي ، فهل هناك مبرّرات موضوعية لكييحصل التصديق الاستقرائي على أعلى درجة ممكنة وهي درجة الجزم واليقين ؟ أي هل درجة اليقين هي درجة صحيحة وموضوعية للتصديق الاستقرائي أم لا ؟ فإن كانت صحيحة وموضوعية فاليقين بالقضية الاستقرائية يقين موضوعيّ ، وإن كانت غير صحيحة ولا موضوعية فاليقين بالقضية الاستقرائية إذا وجد في نفس الإنسان فهو يقين ذاتيٌّ بحت . وبهذا يتّضح فارق أساسيّ آخر بين المذهب العقلي الذي يمثّله المنطق الأرسطي والمذهب الذاتي الذي يمثّله منطق الاحتمال ، وهو أنّ اليقين المنطقي يختصّ بالاستدلال الاستنباطي ولا يشمل الاستدلالات الاستقرائية ، وأن اليقين الموضوعي هو اليقين الذي يمكن للاستدلال الاستقرائي أن يحققه عبر تنميته المستمرّة للتصديق بالقضية الاستقرائية .